الاثنين، 30 يناير 2012

رحلة الوافد: لحظات من تاريخ أدرار ن-درن (أطلس مراكش) وسوس في القرن 12 الهجري/18 الميلادي, لعبد الله بن إبراهيم الزرهوني



   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العنوان: رحلة الوافد: لحظات من تاريخ أدرار ن-درن (أطلس مراكش) وسوس في القرن 12 الهجري/18 الميلادي
المؤلف: التاسافتي ,عبد الله بن إبراهيم (حيا عام 1142)
المحقق: صدقي ,علي أزايكو
الناشر: القنيطرة :كلية الآداب والعلوم الإنسانية ,1992
الوصف: 1 مج. (308 ص.) ;24 سم
رمز الوثيقة:
التحميل: من هنا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







رحلة الوافد في أخبار هجرة الوالد في هذه الأجبال بإذن الواحد/لعبد الله بن إبراهيم التاسافتي الزرهوني (حيا عام 1142)[1]

1- وهي رحلة عمد فيها[2] إلى تسجيل ما جرى على والده والشيخ إبراهيم (ت 1134) شيخ زاوية تاسفت من الهجرة عن وطنه وداره والخروج من زاويته ونزوله بلاد "زدَّاعة[3] في أعلى وادي مسطوكة بعد أن استهدفت الزاوية لحملات جيش السلطان المولى إسماعيل.
وتتطابق بين أحداث هذه الهجرة، والتسمية التي عرف فيها المؤلف برحلته: "وسميتها رحلة الوافد، في أخبار هجرة الوالد، في هذه الأجبال بإذن الواحد"[4].
ولا تمتد هذه الرحلة في المكان فتطول مسافاتها، لأن مراحلها بين زاوية تاسفت وحل مسطوكة في زداغة محدودة في المكان، ولأن حدثها جاء متزاحما ومضغوطا، لا تكاد تتبين فيه المراحل بمفهومها المعروف. وذلك بفعل الظروف الحرجة التي اضطر فيها الشيخ إبراهيم الزرهوني وعشيرته إلى الهجرة من داره بزاوية تانسفت إلى محل استقراره الجديد.
وهي من الناحية الزمنية تستغرق مراحلها ثلاثة أيام بلياليها، كان الوفد المكون من النساء وأهل الزاوية والشيخ فيها يبتعدون هاربين من محلة الباشا عبد الكريم بن منصور[5] الذي حاصر الزاوية، ويسيرون في مسالك جبلية وعرة ليستقر بهم المقام في قبيلة زداغة المجاورة لجبل درن ومنطقة تاسفت.
2- وتبدأ أحداث الرحلة حينما تصل إلى زاوية تاسفت سنة 1125[6] رسالة من السلطان المولى إسماعيل تخاطب شيخ الزاوية إبراهيم الزرهوني وتستدعيه للحضور إلى بلاط السلطان والامتثال بين يديه لإعلان الطاعة، واستحضار النصل القديم الذي يملكه، ليكون هدية يتحف بها الحضرة السلطانية. إلا أن الشيخ توجس خيفة من[7] ذلك، لا سيما حين أرجفت الأخبار بأنه مستحوذ على ما يدرّه معدن الفضة هناك، "ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ويظهر ما كان في الغيب مجهولا، حسدا منه ومكرا، حين قص الدهر أجنحة عزمنا، وقصرت عن القدوم لبساط الملك أقدامنا"[8].
فكان ذلك سبب تجريد الحملة التأديبي التي استهدفت الشيخ وراويته ومنازله بالتخريب. وابتدأت العملية حينما أقر السلطان المولى إسماعيل خليفته على مراكش الباشا عبد الكريم بن منصور التكني (ت 113) وأضاف إليه الأشراف على كثير من المواقع بما فيها موقع زاوية تاسفت. وقد اعتبر مؤلف الرحلة إقرار هذا الخليفة على مراكش واستمراره في الولاية بلاء وامتحانا[9].
وهكذا ما كاد الباشا عبد الكريم بن منصور يستقر بمراكش حتى أعلن عن استعداده لحرب قبائل وادي نفيس وأهل جبل درن. فهيأ الجيوش والعدة والعتاد بما لا يتصور لا يغزو به أحد في المسلمين"[10]. على أن الإمعان في هذه الاستعدادات يأتي لأن أهل جبل درن لم يتجر عليهم أحكام السلاطين منذ عهد المهدي بن تومرت[11].
فانطلقت الحملة الأولى في رمضان عام 1125 وكان القصد منها جبل درن وأهل وادي نفيس. وأول ما فعله الباشا ابن منصور أنه راسل شيخ زاوية تاسفت يأمره بالقدوم إليه والتفاوض معه لأجل سلامته[12]. إلا أن شيخ الزاوية بعد استشارة أعيان قبيلته اكتفى في رده على الباشا المذكور بإعلان الطاعة فقط دون الامتثال بين يديه أو الذهاب إلى حضرة السلطان[13].
وتتابعت رسائل الباشا عبد الكريم بن منصور تهدد الشيخ وتصفه بالمروق والخروج عن الطاعة، والإعانة عل النهب والسفك للدماء، وتهييج البرابر على العصيان[14].
وهكذا بدأت طلائع الحركة أعمالها بإفساد أجنة الزاوية وتخريب دورها في الأحواز، وإتلاف ما تعول عليه في مصالح عيشها، والقبض على من انتسب للزاوية من الفقراء وأكل أموالهم[15]. وتتابعت هذه العملية لتشمل ممتلكات الزاوية بمختلف مناطق جبل درن. وبدأ معها غزو أهل الجبل، والضرب بالبارود والنار، "وأهل الجبل كلهم خائفون وجلون من شدة الأمر والخسران"[16].
وقد دام حصار الجبل سبعة أشهر تغيرت فيها الأحوال كثيرا، واشتدت الأزمة على الزاوية وأهلها فألزم الشيخ تابعيه وظيفة (قراءة حصن الحصين، وحزب النصر، وحزب البحر الشاذلي، وأبيات الإمام السهلي: يا من يرى ما في الضمير ويسمع..." [17] كل هذا طلبا للفرج والخلاص من الشدة.
وتنفرج هذه الشدة بروع الباشا ومحلته إلى مراكش لأسباب طويلة[18].
ثم في سنة 1127 تحرك الشر من جديد، فحرك الباشا عبد الكريم بن منصور وبرفقته الأمير الشريف بن السلطان إسماعيل الجيوش نحو جبل درن لتأديب شيخ زاوية تاسفت الذي أمعن في العصيان، لأنه لم يمتثل أوامر السلطان بالقدوم إلى حضرته لتقديم الطاعة[19].
وقد رافق الحملة انتشار الظنون والأراجيف وما تحمله من عناصر الفزع والرهبة من فعل المحلة وعساكرها. وقد صور المؤلف ببراعة لحظات الحرج التي انتابت والده شخي الزاوية وأهاليها، وظنون الترقب لحظة قدوم الجيش لتخريب الديار وتقتيل الرجال[20].
وبمجرد وصول طلائع الجيش إلى مركز الزاوية كان الشيخ بأهله وعشيرته قد غادرها لتبدأ الرحلة نحو قنة الجبل، وتتمثل بذلك الهجرة التي كانت محور كتابة رحلة الوافد[21].
ويتحدث المؤلف بأسى وحزن عن الظروف القاسية التي تم فيها اقتحام فحص تاسفت ويصف ما جرى على الناس والدور من النهب والتقتيل والتشريد والتخريب[22].
أما الزاوية ودار الشيخ ودور أقاربه فقد اقتحمها الناس من أهل المنطقة، فرفعوا كل ما فيها من الكتب والحوائج وغيرها، ولم يتركوا إلا الزرع الذي أخذه جيش المحلة عند دخوله الزاوية، فكسر العساكر الخزائن وأتلف الصناديق والأواني وغير ذلك. ثم ولم يتم الاحتفاظ إلا بأبواب المسجد لإتقان صنعتها[23]. ويتابع الشيخ أهله الرحلة في الجبل بمعاناة ومشقة صعودا مع شعابه إلى القنة حيث تبدو تاسفت بفحصها أمامهم وجيوش الباشا تعبث بها[24]. ولم تحس الجماعة المهاجرة بسلامتها إلا حين توجهت إلى وادي أكدمت، "وحين دخلنا مع وادي أكدمت سالمين من ملاقاة أحد من جيش هذا الرجل حمدنا الله تعالى على ذلك"[25].
وظلت الجماعة تسير الليل كاملا حيث قطعت الوادي المذكور. وعند الصباح أرسل شيخ الزاوية إلى العلامة القاضي أبي زيد التفنكلي يستشيره في موضع للنزول بسوس يكون آمنا. فأشار عليه ببلدة مسكالة والاحتماء بأهلها[26].
وهكذا تابع وفد الزاوية طريقه إلى وادي أغبار بآيت سوس، ومن هناك إلى بلدة أمليل، فكان كل م رآنا كذلك يستعذر منا من أجل الخوف[27]. ويعد قضاء ليلتهم هناك تابعوا السير، والناس تزور عنهم خوفا من وعيد الباشا ابن منصور. وفي تويلين بقي الجميع في ضيافة سيدها خمسة وعشرين يوما[28].
ويتحرك الوفد من هناك من جديد بعد إلحاح الباشا ومحلته في مطاردة شيخ الزاوية، والمكاتية بالتهديد لكل من آواه[29]. وهكذا كان الوصول إلى زداغة والنزول بوادي مسطوكة حيث نهاية رحلة الهجرة[30].
وفي زداغة يطيب للشيخ المقام بعد أن أمنه أهلها وأمده أعيانها بالحماية له ولأهله في أرضهم من كل معتد يقصده، وذلك بعد أن تداولوا أمره فيما بينهم، فكتبوا له سندا بذلك[31].
وبتاريخ 7 شوال عام 1127[32] تبدأ مرحلة جديدة من الاستفرار لشيخ زاوية تاسفت بزداغة في ظل حماية أهلها من المخزن وغيره، فكانت وفاة الشيخ بها عام 1134[33]. وظل بها أولاده بما فيهم مؤلف رحلة الوافد مدة أربعة عشرة سنة لم يساورهم فيها خوف المخزن ومطاردتهم[34].
وقد حاول الباشا ابن منصور أن ينزل على زداعة، ويناوشها طمعا في النيل منها، إلا أن مناعة بلادها ومقاومة فرسانها حالت دون ذلك. ولم يقلع عن محاصرتها إلا بعد أن أوقع رجالها بمحلته الهزيمة فسلبوا من خيله وسلاحه ومتاعه[35].
وفي خضم هذه الأحداث ترد رسالة من السلطان المولى إسماعيل تشمل الشيخ بالعفو ومعه أهله وقبيلة زداغة، وتتبرأ من فعل الباشا ابن منصور، وترغب الشيخ في القدوم إلى الحضرة بمكناسة[36].
ورغم هذا العفو وإقلاع الحصار على زداغة، فقد بقي الباشا ابن منصور يحمل العداوة للشيخ، ويمني نفسه بالقبض عليه لامتناعه عن القدوم إلى محلته، وعدم الثقة به. ولم يهدأ بال الشيخ إلا بعد وفاة الباشا المذكور عام[37] 1131 فكان بذلك الفرح، "وحمدنا الله تعالى على ما أنعم به علينا من اللطف وانجلاء كروبنا بموت هذا الرجل" الذي شاب لهوله الطفل الصغير[38]، فاستراحت "منه البلاد والعباد"[39].
وقد كان الباشا الغازي[40] (ت 1132) بوحفرة الذي تولى ولاية مراكش لَيْناً من الشيخ. وعلى يده كان السماح للشيخ بالتحرك نحو زاويته، إن أراد. فقد وصلت الشيخ رسالة من السلطان تعفيه من القدوم إلى الحضرة، ومما كان قد طلب منه من استحضار النصل القديم الذي يملكه، وتسمح لـه بالتحرك أنَّى شاء، بل وتدعو معه وله بالصلاح.
3- والرحلة في ذاتها وما تعلق بها من كتابة في رحلة الوافد لا يكاد يمثل إلا جزءا يسيرا منها. بينما كانت أكثر مواد الرحلة تتحدث عن حركة الباشا عبد الكريم بن منصور التكني لبوادي وادي نفيس، واستعداداته، والأراجيف التي رافقت ذلك، وأحوال الناس وظروفهم، وهم يتقربون هجوم المحلة عليهم.
ثم ما حدث بعد تخريب الزاوية من محاربة قُرَى جبل درن، ومحاصرة قبيلة زداعة في سوس، وما جرى من صدام بين المحلة وبرابر هذه المناطق إلى حين وفاة الباشا المذكور بسوس عام 1131.
ولذلك كانت الرحلة في أكثر موادها تجري إلى التاريخ، لتسجل وبشكل مفصل دقائق الحياة عند مجتمعات البربر في جبل درن ووادي نفيس، وتنقل وبوضوح علاقات هذه القبائل البربرية فيما بينها أولا، وعلاقاتها بالمخزن ثانيا. فتبسط أساليب المعاملة التي يقوم بها المخزن في الحملات التأديبية التي تستهدفها هذه المناطق وقبائلها، رغم وعورة مسالك مواقعها، لإخضاعها وإعلان طاعتها وامتثالها لأوامر الحضرة السلطانية بمكناس.
4- إلا أنه إذا كانت قيمة الرحلة كبيرة بالنسبة للمؤرخ، لما تقدمه له من حقائق وافية حول مجتمع وادي نفيس، وأحداثه التاريخية، علاقاته بالمخزن، ووقائعه، مما لم تتعود أن تكشف عنه كتب التاريخ التي تهتم بالحواضر –فإن للرحلة شأنا كبيرا في الاستطرادات المهمة التي تضيف فصولا أدبية وتاريخية جديدة يندر الحصول عليها.
ففي الرحلة حديث طويل عن مسجد المهدي بتنمل، وقبور الموحدين[41] به، وعن علم المهدي ابن تومرت ومؤلفاته وكتبه، وعما يزال قائما منها بالمسجد إلى عهد المؤلف، وقد وضع المهدي خط يده عليها ككتاب الموطأ[42] وغيره، عن جبال درن وأهله وقبائله وطبائهم ومواقفهم من المهدي بن تومرت قديما وحديثا[43].
وتحظى وتنمل من جديد واف ضمن الحديث الطويل[44] الذي خص به دولتي المرابطين والموحدين وخلفاءهما والعبور إلى الأندلس وتشييد مراكش، ونقود الموحدين المريعة التي يعثر عليها الناس على عهد المؤلف بالقرب من المنطقة –فيأتي وصف مفصل لمسجد تنمل في عمرانه وحيطانه وأبوابه المتقنة الصنعة. ويسهب خاصة في الحديث عن المحراب الذي تحدث عنه الناس كثيرا لعدم توجهه إلى القبلة[45]، ويذكر المؤلف ما أثير على عهده من كتابات وأسئلة رفعها أهل المنطقة إلى علماء مراكش آنذاك فأفتوا ببطلان الصلاة في المسجد المذكور لانحراف قبلته كثيرا إلى جهة الجنوب[46].
والملاحظ أن أكثر هذه المعلومات تنفرد بها هذه الرحلة، لأنها من مشاهدات المؤلف الذي لا يبعد مسجد تنمل عن محل زاويتهم بتاسفت إلا بمقدار ثلاثة أميال.
5- وتنفرد الرحلة بأخبار دقيقة عند ثورة محمد العالم على والده السلطان المولى إسماعيل بتارودانت، وانفراده بالملك هناك، وكيف اقتحم مراكش وأخضعها لسلطانه[47].
وحينما تذكر ما آلت إليه هذه الثورة من هزيمة جيش الأمير الثائر، وأسبابها، واستباحة تارودانت والقبض على محمد العالم وأصحابه، ومقتلهم- كان المؤلف ينقل عن بعض أشياخه ممن عايشوا الحدث، وكيف كان يتحرك جيش الأمير زيدان الذي قدم لمواجهة هذه الثورة، وإعداده، ونوعية رجاله، وما كان ينضاف إليه من البرابرة وغيرهم، إن نجاحه في القضاء على ثورة أخيه إنما جاء لرضى الوالدين حسب الإشاعة الشعبية[48].
وأندر ما في هذه الأخبار هو نصوص الرسائل التي تبادلها الأمير محمد العالم، مع والده السلطان المولى إسماعيل في لحظة الخصام، حيث كان كل منهما يتهم الآخر بالخروج عن الصواب ويهدده ويتوعده. وكانت عادة محمد العالم مدة تَأَمُّرِهِ بسوس حين تصله رسائل من السلطان، أن يقوم بحرقها "في وسط تارودانت. يأتون بالفحم، ورَابوز. ويبرحون في المدينة بذلك، ويجعلون رسائل الملك على رأس رمح، ويقولون في النداء: هذه بطائق ملك المغرب، حتى يحضر الجم الغفير لحرقها، ويقتلون الرسول كذلك"[49].
وهذه الرسائل رغم طابعها السريع والموجز فإنها تكشف عن حقيقة ثورة محمد العالم وموقف السلطان تجاهها. فيرد في نص رسالة محمد العالم ما نصه[50]:
"من عبيد الله تعالى أمير المومنين الناصر لدين الله تعالى محمد بن إسماعيل أدام الله تأييده، ومهد بسيوف العدل أوطانه... أمين... ألم تعلم أن الملك قد استوى والوقت قد حان وظهر وبان، وتبين الرشد من الغيّ لمن كان صحيح النظر. فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر، ولقوله تعالى: ) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها أباه. فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه (. والسلام.
وقد كان جواب السلطان إسماعيل أشد قسوة وأكثر اتهاما وتهديدا.
وفي الرحلة حديث عن موقف فاس حين وصلها خبر مقتل الأمير محمد العالم إذا كان المؤلف طالبا نازلا بالمدرسة الرشيدية فتعطلت الدارسة بالقرويين وتحرك وفد العلماء لحضور جنازته[51] منهم القاضي بردلة، وعبد السلام جسوس وغيرهم. ولأول مرة يرد ذكر بعض علماء مراكش ممن تابعوا محمد العالم في بيعته، منهم[52]:
-الحسن الحميدي وذكر المؤلف أنه أقام عندهم عام 1115 وهناكلقيه.
-وأحمد بن المرابط المراكشي.
-أحمد بن ابراهيم التفنكلي وهؤلاء جميعا قد أحيوا سنن الدرس والعلم بتارودانت وإذا كان مصير العالمين أحمد بن المرابط المراكشي وأحمد بن ابراهيم معروفا للقبض عليهما مع الأمير محمد العالم يوم اقتحام تارودانت ومقتلهما بعدُ في سجن مكناس فإن مصير الآخرين لا أتبينه فقد كان محمد العالم يصحب معه في حملاته الفقهاء والعلماء، وقد قتل منهم عدد في هزيمة جيشه بحَاحَة قبل اقتحام تارودانت.
وكان السلطان حسب رحلة الوافد حين ظفر بابنه "يسأل عن أصحابه ويقتلهم. ونفى منهم كثيرا في البلدان والجبال"[53].
6- وضمن الاستطرادات الأدبية والعلمية ترد في الرحلة:
أ- عديد من وفيات الرجال. منها: وفيات:
-الشيخ عبد الله بن سعيد المناني مؤسس زاوية تافيلالت بزداغة وأبنائه وأحفاده من العلماء[54].


-وفاة أحمد بن سليمان الرسموكي الذي ينعته شيخ شيوخنا[55] (ت 1133).
-وفاة شيخ زاوية تاكركوست محمد بن ابراهيم العثماني[56] (ت 1134).
-وفاة السلطان إسماعيل والحديث المطول عن أسباب مدة حكمه[57].
-وفاة والده شيخ زاوية تاسفت المرابط إبراهيم الزرهوني[58] (ت 1134).
وغيرها من الوفيات الأخرى.
ب- عديد من أسماء رجال العلم والأدب في هذه الفترة والتعريف بأحوال البعض منهم مما لا نجده في غيره وخاصة أشياخه مثل:
- محمد بن أحمد بن إبراهيم التفنكلتي المراكشي (ت بعد 1134). وهو من أسرة[59] تسلسل فيها العلم والظهور به. فأبوه عالم شهير وجده كذلك.
وقد "كان فقيها جليلا متفننا في علوم شتى. وكان أديبا من شعراء الوقت". وقد قرأ عليه المؤلف ولازم "خدمته والجلوس معه في مجالس إقرائه وأحكامه"، إذ كان هذا الشيخ ممن تدور عليه الفتوى والأحكام في تلك النواحي. وكان من قبل قد تولى قضاء سوس الأقصى.
وكان هذا الشيخ ممن خرج من داره بمراكش هو، ووالده العلامة أحمد بن إبراهيم، وعمه الحسن بن إبراهيم، في ثورة محمد العالم واقتحامه مراكش[60]. واستقر في منفاه بزاوية تافلالت بزداغة بعد مقتل والده مع من قتل من أصحاب محمد العالم من العلماء – يدرس العلم ويقيم مجالسه. وقد ألف تاريخا يحكي فيه ما جرى له منذ خروجه من مراكش، ومن تولاها من الولاة على عهده.
وقد أورد لشيخه لإثبات ممارسته للأدب، رسالته الطويلة الجيدة التي رفعها إلى محمد الصغير الإفراني المراكشي وكان قد أرسل إلى الصغير الإفراني ولعلماء مراكش آنذاك في الثلاثينات مجموعة أسئلة عويصة أجاب عنها الصغير الإفراني[61].
- محمد الصغير الإفراني: وقد كان صديقا للمؤلف إذ ترافقا أيام الطلب بفاس وخاصة بالمدرسة الرشيدية. وخلال هذه الترجمة ترد مجموعة من الأخبار المتعلقة بالصغير الإفراني وبعض أشعاره، ولا سيما وجه الصراع الذي قام بينه وبين طلبة مراكش عند تصدره لتدريس التفسير بها[62].
-الأمير الشريف بن السلطان إسماعيل واهتمامه بالكتب[63].

-محمد بن علي المراكشي الصنهاجي الموقت[64].
-الفقيه العلامة محمد بن المهدي الراشدي التلمساني قدم إلى الزاوية وهو من أشياخ مؤلف[65] الرحلة.
-عبد الله بن محمد الدرعي كاتب رسائل القائد إبراهيم بوعبدلي وقد أورد بعض رسائله[66].
-الفقيه القاضي أحمد بن الحسن الهوزالي[67].
7- والرحلة في جانبها الآخر تقدم لنا معلومات –وإن كانت متناثرة- عن المؤلف لترسم لنا ترجمته. فتعرفنا به، وتعرض عليا من أخباره ونشاطه في العلم والدراسة.
فقد سبق للمؤلف عبد الله بن إبراهيم الزرهوني أن قرأ بفاس مدة خلال العقد الثاني من هذا القرن، فهو يذكر في الرحلة كيف ورد إلى فاس خبر مقتل الأمير محمد العالم[68] (ت 1118) وهو طالب بمدرسة مولاي الرشيد ويتذكر عن الصغير الإفراني حين الحديث عنه المراحل الدراسية التي جمعته وإياه في فاس، إذ هو رفيق في الدرس والتحصيل[69].
ويتحدث المؤلف عن بعض مراحل طلبه للعلم أيضا، فقد كان عام 1120 يجلس إلى حلقات درس العلم في درعة[70].
وفي سنة 1121 يقوم برحلته المشرقية[71] فيؤدي مناسك الحج، ويتعلم نماذج من الخلط المشرقي، ولا شك أنه قد جلس إلى شيوخ المشرق واستفاد منهم، ولا يبعد أن يكون من ضمن الراحلين برفقة الشيخ أحمد بن ناصر الذي حج عام 1121.
وقد ظل حنين المؤلف إلى العلم ومجالس الدرس يشده إلى حضور حلقات قراءة صحيح البخاري في كل موسم في زاوية الشيخ محمد بن إبراهيم العثماني في تاكركوست، وفي زاوية تافلالت حيث إقامته عند أحفاد ابن سعيد المناني[72].
8- ولم تخل الرحلة من نصوص الأدب وأعمال رجاله فهي مليئة بالأشعار والقصائد والمقطعات –التي يستطرد إلى ذكرها المؤلف في مختلف المناسبات. إما للاستشهاد بها في المواقف، وإما لمجرد الاستنشاد وترديد الأشعار.
ولا شك أنها تمثل محفوظاته ومطالعته، وتكشف عن اهتمامه بالأدب ونصوصه. ويبرز بينها أشعار بعض معاصريه، وإن كانت قليلة، وبخاصة أشعار شيخه محمد ابن إبراهيم التفنكلتي المراكشي.
وفي الرحلة كثير من نصوص الرسائل مما كان يتبادله شيخ الزاوية مع أعيان المنطقة وعلمائها وولاتها، أو ما كان يرسله إليه السلطان وولاة الأمر مع خلفائه بمراكش ونواحيها.
وهي وإن كانت في عمومها موجزة، لا تحمل أساليب أدبية متميزة يمكن أن تثير الاهتمام إذ تفيد المؤرخ أكثر ما تفيد الأديب إلا أنها رغم ذلك تقدم لنا نماذج من الرسائل الرسمية التي يتبادله أهل الأمر والشأن وطريقة كتاباتها، والتي تهتم بالدرجة الأولى بما يحمله محتواها وما تنقله من مضامين الخطاب. فلا يلفت فيها إلى الصياغة وتجويدها وإلى الأساليب وتحسينها. ولذلك كان أكثر كتابها من المغمورين.
وباستثناء الرسالة الجيدة[73] التي راجع بها الشيخ محمد بن أحمد بن إبراهيم التفنكلتي معاصرة الأديب محمد الصغير الإفراني، والتي اهتم بصياغتها فيثير فيها من عناصر الكتابة الترسلية ومن جودة الأساليب ما جعلها أنموذجا جيدا للكتابة الأدبية – فإن ما تحتفظ به رحلة الوافد من نصوص الرسائل لا يرقى ليحسب من نماذج الكتابة الأدبية، وإن احتفظ بقيمته التاريخية.
وتبقى رحلة الوافد في عمومها أنموذجا فريدا لرحلة الهجرة، لما يحمله نصها من امتيازات في الوصف والعرض، بما في ذلك العرض التاريخي والأدبي.

[1]- كان حيا سنة 1142 / تنظر ترجمته في: رحلة الوافد: في غير موضع – الأعلام للمراكشي 8/319.
المصادر للمنوني/ 1/191 – مقدمة التحقيق لرحلة الوافد: القسم الأول / رسالة جامعية مرقونة.
دليل بنسودة 2/346 – مجلة كلية الآداب 267 الرباط / عدد 13 / مقال الأستاذ صدقي علي.
[1] - تقع شمال تارودانت.
[1] - رحلة الوافد: 3 رسالة جامعية مرقونة.
[2] - كان واليا على مراكش. توفي عام 1131. ترد في رحلة الوافد: 6، 8، 13 ... 188 معلومات عنه.
[3] - رحلة الوافد: 3.
[4] - رحلة الوافد: 4.
[5] - رحلة الوافد: 8.
[6] - رحلة الوافد: 8.
[7] - رحلة الوافد: 16.
[8] - رحلة الوافد: 20.
[9] - رحلة الوافد: 35.
[10] - رحلة الوافد: 38.
[11] - رحلة الوافد: 45.
[12] - رحلة الوافد: 55.
[13] - رحلة الوافد: 59 ولفظة الخسران تعني هنا معناها الدارجي وهو: الإتلاف والإفساد.
[14] - رحلة هذه الأبيات السبعة الأولى وارد في المطرب لابن دحية: 234.
[15] - رحلة الوافد: 64
[16] - رحلة الوافد: 70
[17] - رحلة الوافد: 82 إلى 96.
[18] - رحلة الوافد: 96، 99، 100.
[19] - رحلة الوافد: 96، 99، 100.
[20] - رحلة الوافد: 115.
[21] - رحلة الوافد: 100.
[22] - رحلة الوافد: 103.
[23] - رحلة الوافد: 105 ولا أعرف عن هذا القاضي غير ما أورده هنا.
[24] - رحلة الوافد: 111.
[25] - رحلة الوافد: 113.
[26] - رحلة الوافد: 113-114.
[27] - رحلة الوافد: 126.
[28] - رحلة الوافد: 128.
[29] - رحلة الوافد: 132، 133 وهو صياغة الكاتب عبد الله بن محمد الدرعي.
[30] - رحلة الوافد: 336.
[31] - رحلة الوافد: 146.
[32] - راجع رحلة الافد: 141، 143.
[33] - راجع نص الرسالة في رحلة الوافد: 154، 156.
[34]- راجع عن وفاة هذا الباشا وأسبابها ومدفنه بمراكش، وصدى وفاته في الأقاليم والأحواز في: رحلة الوافد: 188، 287، 288، 289، 292.
[35] - رحلة الوافد: 289.
[36] - رحلة الوافد: 292.
[37] - راجع بعض أخباره ووفاته في: رحلة الوافد: 292-296.
[38] - رحلة الوافد: 15.
[39] - رحلة الوافد: 22.
[40] - رحلة الوافد: 21.
[41] - امتد هذا الحديث بين صفحتي 191، وص: 259 من رحلة الوافد.
[42] - رحلة الوافد: 223.
[43] - رحلة الوافد: 237.
[44] - راجع رحلة الوافد: 300.
[45] - رحلة الوافدين: 305.
[46] - رحلة الوافد: 302.
[47] - راجع رحلة الوافد: 301.
[48] - راجع رحلة الوافد: 306.
[49] - راجع رحلة الوافد: 301، 305.
[50] - رحلة الوافد: 306.
[51] - راجع رحلة الوافد: 332.
[52] - راجع رحلة الوافد: 310.
[53] - راجع رحلة الوافد: 310.
[54] - رحلة الوافد: 313.
[55] - رحلة الوافد: 336 وعليه قامت أحداث هذه الرحلة.
[56] - راجع رحلة الوافد: 298-218 / وراجع خلال جزولة 2/51.
[57] - راجع رحلة الوافد: 300-305.
[58] - راجع النص الكامل لمراجعة التفنكلتي في: رحلة الوافد 318.
[59] - رحلة الوافد: 307 وما بعدها.
[60] - رحلة الوافد: 70.
[61] - له ترجمة وذكر في: رحلة الوافد: 82.
[62] - رحلة الوافد: 90، حيث ينقل معلومات مهمة عن نشاطه وأخباره.
[63] - ترد ترجمته ورسائله في: رحلة الوافد: 132، 133، 153.
[64] - ترجمته في: رحلة الوافد: 289.
[65] - راجع رحلة الوافد: 306.
[66] - راجع رحلة الوافد: 307.
[67] - راجع رحلة الوافد: 143.
[68] - راجع رحلة الوافد: 109، 89.
[69] - تراجع في رحلة الوافد بين ص: 298-310.
[70] - راجع النص في رحلة الوافد: 318 وما بعدها.

هناك تعليق واحد:

  1. جزاكم الله خيرا احتاج هذا الكتاب لتحميله "رحلة الوافد"

    ردحذف